أبي الفرج الأصفهاني

176

الأغاني

صوته الذي غنّاه أحسن صنعة منه وأجود وأشجى ، وإنما يغلبني عند هذا الرجل بصوته ، ولا مطعن على صوتك ، وإذا أطربته وغلبته عليه بما تأخذه مني قام ذلك لي [ 1 ] مقام الظَّفر ؛ وسيصبح أمير المؤمنين غدا فيدخل الحمام ونحضر ثم يخرج فيدعو بالطعام ويدعو بنا ويأمر ابن جامع فيردّ الصوت الذي غناه ويشرب عليه رطلا ويأمر له بجائزة ، فإذا فعل فلا تنتظره أكثر من أن يردّ ردّته حتى تغنّي ما أعلَّمك إياه الساعة ، فإنه يقبل عليك ويصلك ، ولست أبالي ألَّا يصلني بعد أن يكون إقباله عليك ؛ فقلت : السمع والطاعة ؛ فألقى عليّ لحنه : يا دار سعدى بالجزع من ملل وردّده [ 2 ] حتى أخذته وانصرف ؛ ثم بكَّر عليّ فاستعاد الصوت فردّدته حتى رضيه ، ثم ركبنا وأنا أدرسه حتى صرنا إلى دار الرشيد ؛ فلمّا دخلنا فعل الرشيد جميع ما وصفه إبراهيم شيئا فشيئا ، وكان إبراهيم أعلم الناس به ، ثم أمر ابن جامع فردّ الصوت ودعا برطل فشربه ، ولما استوفاه واستوفى ابن جامع صوته لم أدعه يتنفّس حتى اندفعت فغنّيت صوت إبراهيم ، فلم يزل يصغى إليه وهو باهت حتى استوفيته ؛ / فشرب وقال : أحسنت واللَّه ! لمن هذا الصوت ؟ فقلت : لإبراهيم ؛ فلم يزل يستدنيني حتى صرت قدّام سريره ، وجعل يستعيد الصّوت فأعيده ويشرب [ عليه ] [ 3 ] رطلا ، فأمر لإبراهيم بجائزة سنيّة وأمر لي بمثلها ؛ وجعل ابن جامع يشغب ويقول : يجيء بالغناء فيدسّه في أستاه الصّبيان ! إن كان محسنا فليغنّه هو ، والرشيد يقول [ له ] [ 3 ] : دع ذا عنك ، فقد واللَّه استقاد منك وزاد عليك . صوت من المائة المختارة تولَّى شبابك إلا قليلا وحلّ المشيب فصبرا جميلا كفى حزنا بفراق الصّبا وإن أصبح الشّيب منه بديلا الشعر والغناء لإسحاق . ولحنه المختار ثاني ثقيل بالوسطى في مجراها عن إسحاق بن عمرو .

--> [ 1 ] كذا في ط ، ء . وفي سائر الأصول : « قام ذلك مني » . [ 2 ] في م : « ورددته » . [ 3 ] الزيادة عن ط ، ء .